مركز دراسات الترجمة

أضواء على الترجمة العربية والإنجليزية - مركز دراسات الترجمة بمؤسسة روزيتا

الترجمة الفورية

 

تعرف الترجمة الفورية Interpreting بأنها صورة من صور الترجمة يقدم فيها النص الأصلي مرة واحدة بطريقة شفوية صحيحة وكاملة في لحظة إخراج النص المترجم. وتنقسم الترجمة الفورية إلى 3 أنواع رئيسية:

1- الترجمة التزامنية Simultaneous Interpreting:

وهي ما يترجمها المترجم فوراً بعد سماع النص باللغة الأخرى.

2- الترجمة التتبعية Consecutive Interpreting:

وهي التي يقوم فيها المترجم بتقديم الترجمة على فترات، أي بعد كل فقرة أو كل عبارة يسمعها.

3- الترجمة التفاهمية Community Interpreting:

وهي التي يقتصر فيها دور المترجم على إفهام المتحدثين لما يقولونه لبعضهم البعض.

وتعتبر الترجمة الفورية بأنواعها هي الأصعب إذا ما قورنت بالترجمة التحريرية، ذلك لأن النص المكتوب عادة ما يكون تحت تصرف المترجم، الشيء الذي ينعدم في الترجمة الفورية ويحرم المترجم من مصدر هام من المعلومات المحمولة في الجوانب شبه اللغوية والتي يمكن أن تقود إلى فهم أفضل للنص المصدر. ومن ناحية أخرى فإن المترجم الفوري لا تتوافر لديه الرفاهية الزمنية التي يحظى بها المترجم التحريري، فالأول يقع تحت سيف الوقت المحدد بينما يستطيع الثاني مراجعة بعض المؤلفات واستشارة بعض الزملاء فيما يريد أن يترجمه، مع إمكانية أن يعود في ترجمته مرة أخرى لتصحيحها. وعلى العكس، فإن المترجم الفوري أو التتابعي لا يستطيع مراجعة عمله بعد أن ينجزه بل تكون إمكانية التصحيح معدومة، وهذا ما يتطلب المران المتواصل الموجه إلى نقل مضامين الخطب وليس قوالبها الجامدة، على اعتبار أن المترجم يحلل أولاً الخطاب المصدر تحليلاً لغوياً أثناء وصوله إليه ثم يعيد صبه في قالب مناسب في اللغة الهدف مراعياً في ذلك قواعد هذه اللغة وتراكيبها وصياغتها، ومراعياً كذلك مضمون الخطاب المصدر وخصوصيات اللغة الهدف.

 

وتختلف درجة الصعوبة ضمن هذا النوع من الترجمة، أي الترجمة الفورية، وذلك تبعاً للغة المراد ترجمتها. وبصفة عامة فإن الترجمة من اللغة الأجنبية إلى اللغة الأم هي الأسهل نوعاً ما نظراً لما يتمتع به المترجم من سليقة لغوية لا تدفعه إلى التفكير طويلاً في صياغة جملته بلغته من كافة أركان الصرف أو النحو أو المعنى، فهو لا يفكر كثيراً في أن ينصب الفاعل أو يرفعه مثلاً، في حين أنه عند الترجمة من اللغة الأم إلى اللغة الأجنبية يجد المترجم نفسه أمام تحديات أكبر، حيث يتعين عليه اختيار الكلمات المناسبة وأن يصوغ الجملة بطريقة صحيحة يراعي فيها ترتيب الكلمات وأشكالها وعلاقاتها الصحيحة المتبعة في تلك اللغة syntactical relations، وهو الأمر الذي لا يعد ضرورياً في حالة الترجمة بالاتجاه الآخر.

 

قواعد عامة في الترجمة الفورية

1- يجب أن يكون لدى المترجم الفوري قدر كافٍ من المفردات والاصطلاحات في شتى ميادين المعرفة، وأن يستخدم تلك المفردات في إطار من حضور الذاكرة وسرعة التصرف في مثل تلك المواقف التي لا مجال فيها لاستخدام المعاجم أو للمراجعة اللغوية، كما ذكرنا أعلاه.

2- يجب أن تكون لدى المترجم الفوري قدرة خاصة على ربط عناصر الموضوع في حالة فقد بعض التفاصيل أو نسيانها أو عدم المعرفة بها، بحيث لا يشعر المستمع وكأن هناك عناصر أساسية غائبة أو مفقودة وتؤثر بالتالي على تفهم الموضوع والتعايش معه. فمثلاً عند الترجمة من العربية إلى الإنجليزية في موضوع يتعلق بالعمليات الزراعية، وفي حالة أن ترد في النص كلمة لا يعرف المترجم معناها مثل كلمة "منجل" فيمكنه التغلب على هذه الصعوبة عن طريق التحرر من الشكل أو القالب وشرح هذه الكلمة بجملة تفيد معناها مثل:

Tool used for trimming trees

وبالمثل، فإنه عند الترجمة من الإنجليزية إلى العربية في موضوع يتعلق بالأمراض الجلدية، وكان النص يتضمن هنا مصطلحات مثل psoriasis وdermatitisوflushing، وكان المترجم على دراية بمعنى واحد فقط من تلك المصطلحات مثل dermatitis أي التهاب الجلد، فيمكنه في هذه الحالة تغطية العناصر المفقودة بعبارات عامة تفيد التضمين مثل "إلى آخره" أو "وغير ذلك من الأمراض ذات الصلة". وفي جميع الأحوال يجب أن يكون هذا النوع من التصرف في أضيق الحدود، على اعتبار أن المصطلحات العلمية تحمل في طياتها معانٍ تخصصية لا تبرز إلاّ من خلال الكلمة بحد ذاتها، فضلاً عن أن الإسراف في التركيز على المعنى دون التقيد بحرفية الكلمة قد يؤثر سلباً على سرعة أداء المترجم وقدرته على متابعة سير النقاش أو الاجتماع أو المحاضرة، الخ.

3- يجب أن يكون المترجم متعمقاً في اللغة العربية والإنجليزية وعلى دراية بمعاني الكلمات التي ترد في النص في صورة تبدو وكأنها تحمل معانٍ أخرى غير معناها الحقيقي.. فإذا كان النص العربي المطلوب ترجمته هو - مثلاً آية قرآنية تقول: "وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 64]"، فيجب على المترجم أن يدرك أن كلمة الحيوان هنا لا تعني animal وإنما تعني الصدق والحقيقية والدوام. وبالمثل فإنه عند ترجمة نص في اللغة الإنجليزية به عبارة تقول to hit the hayفإن ذلك لا يعني أن الشخص يضرب التبن أو القش وإنما يعني أن الشخص يذهب إلى النوم، الخ.

4- على المترجم الفوري إتباع أسلوب النقل غير المباشر، بمعنى أن يقول مثلاً "أن السيد فلان قد أتى اليوم ليتحدث إليكم عن كذا وكذا" بدلاً ن أن يقول "أنا السيد فلان أتيت اليوم لأتحدث إليكم عن كذا وكذا"، حيث أن في ذلك فصل بين شخصية المتكلم وشخصية المترجم الذي يحتاج إلى كيان خاص به وأن يكون وسيطاً بين طرفيِّ الحديث دون تجاوز للدور اللغوي المنوط به.

5- يجب أيضاً أن يتجنب المترجم الفوري الأخطاء الصوتية في الإلقاء، مثل:

 -نطق همزة الوصل في الكلمات التي لا تنطق همزاتها (مثل: باستخدام، في استنتاج)، وإلا شعرنا بأن الحديث مُقطّع ويصدر عن شخص غير عربي

- نطق اللام الشمسية التي لا تنطق أبداً مثل الشمس، الشباب، الصورة، التصميم، الرحمة، إلخ

- التكاسل في نطق الأحرف اللثوية بين الأسنانية (inter dental) وهي الثاء، والذال، والظاء.

 -الخطأ في ضبط الكلمات، أي جر ما هو مرفوع، أو رفع ما هو منصوب

 -تحوير بعض الأحرف الإطباقية المفخمة وهي الضاد والطاء والظاء ونطقها دالاً وتاءً وذالاً على التوالي

 -إعطاء العامية الدارجة مساحة أكبر، مما يؤثر على الفصحى ويجعل الحوار غير مقبول من الناحية اللغوية

6 – على المترجم الفوري أن يراعي حالات الترادف الظاهري في اللغة الإنجليزية ضماناً لاستخدام الكلمات في موضعها الصحيح بالجملة دون مداخلة مع كلمات أخرى تبدو وكأنها تحمل نفس المعنى. وينطبق ذلك أيضاً على بعض الألفاظ العربية التي قد تبدو وكأنها مرادفات في حين أن لكل منها معنى يختلف تماماً عن معنى لفظ آخر مشابه.  فهناك – على سبيل المثال – فرق بين فعل ينفذ (بالذال) وفعل ينفد (بالدال)، فالأول هو ترجمة لفعل deplete باللغة الإنجليزية، بينما يعني الفعل الثاني penetrate أي "يخترق".  وبالمثل فإن كلمة "أكْفاء" (بالسكون على الكاف) ليست مرادفاً لكلمة "أكفّاء" (بالشدّة على الفاء)، فالأولى جمع لـ "كفء" (efficient) بينما الثانية جمع لـ "كفيف" (blind)، وهكذا.  لذلك فإن وقوف المترجم على المعنى الصحيح لكل من تلك الألفاظ يعد من العوامل الأساسية لنجاح أدائه في أعمال الترجمة، ويتطلب بالتالي معرفة شاملة بمفردات اللغة العربية مثلما يتطلب المعرفة بمفردات اللغة الأخرى ومعانيها.

7- يجب أن يكون المترجم الفوري ملماً بالثقافات الأخرى وأن يطوّع المادة التي ينقلها لتناسب تلك الثقافات وتكون مفهومة لديها دون التأثر بالثقافة التي ينتمي إليها، حتى لا يكون هناك مجال لسوء الفهم أو لآثار سلبية أخرى قد تترتب على ذلك. كما يجب على المترجم الفوري الالتزام بالاتجاهات الحديثة في اللغة الإنجليزية فيما يتعلق بالحديث عن ذوي الإعاقة، والتحيز لجنس الذكر، والحديث عن السود أو الأجانب، إلخ.

8- لا يجوز بأي حال أن يضيف المترجم إلى النصف الأصلي عبارات تفسيرية أو تعليقات أو أراء شخصية قد تؤدي إلى تغيير المعنى المقصود أو تؤثر في الرأي العام بشكل مخالف، بل عليه الالتزام بالنص ونقله بأمانة دون تفسير أو تعليق، مع التصرف فقط في الحدود المتعارف عليها تماشياً مع القواعد والاتجاهات الثابتة في كل من لغة المصدر واللغة المستهدفة.

 

البعد الصوتي وأهميته في الترجمة الفورية

على المترجم الفوري أن يراعي المكافئات الصوتية ودلالاتها، مع استخدام نبرات صوت المتحدث ولهجته في تحديد المعنى المراد نقله إلى اللغة الأخرى. ولتوضيح ذلك يمكن أن نتخيل - مثلاً - أن إنجليزياً قد تم اتهامه بسرقة رجل في دولة عربية وجاء المحقق العربي بمترجم ليقوم بعملية الترجمة بين العربية والإنجليزية، ودار الحوار الآتي:

- المحقق (باللغة العربية): هي سرقت الرجل؟

 -المترجم (باللغة الإنجليزية): Did you rob the man

 -المتهم (باللغة الإنجليزية) مستغرباً: I robed the man

المترجم (باللغة العربية): إن المتهم يقول أنا سرقت الرجل.

في هذا المثال نجد أن المترجم قد أغفل البعد الصوتي لما قاله المتهم الإنجليزي، وأدى ذلك إلى ترجمة مضادة للمعنى الحقيقي، فبينما يستنكر الإنجليزي اتهام المحقق له بسرقة الرجل نجد أن المترجم قد أورد في ترجمته إقراراً من الإنجليزي بأنه قد سرق الرجل بالفعل، في حين أن الترجمة الصحيحة لما قاله الإنجليزي هي: عجباً.. أنا سرقت الرجل؟؟ وبالتالي تأثر المعنى وضاع القصد وأضرت الترجمة بالمضمون. ويستنتج من ذلك أن المترجم الفوري لا يقتصر عمله فقط على ترجمة الألفاظ وإنما يمتد هذا الدور ليشمل أيضاً البعد الصوتي ودلالاته لتكون الترجمة معبرة بحق عما يحدث في المواقف المختلفة بأنواعها.

آليات التدريب على الترجمة الفورية

1- اكتب أولاً النص الذي تسمعه.

2- ترجم النص تحريرياً بعد كتابته.

3- ترجم النص فورياً رجوعاً إلى المادة المكتوبة.

4- أعد الترجمة مرة أخرى بالسماع فقط دون الرجوع إلى النص المكتوب.

5- ترجم فورياً مواد مختلفة مسجلة على شريط، أو اطلب إلى أحد زملائك إلقاء تلك المواد ثم ترجمها بشكل فوري، مع إعادة المحاولة عدة مرات إلى أن تلحظ تقدماً في الترجمة والإلقاء.

 

مراحل الترجمة الفورية

تمر الترجمة الفورية في مراحل عديدة ومهمة ومتعاقبة، ويأتي الإصغاء على رأس قائمة هذه المراحل. فالمترجم الفوري يعد مستمعاً مهنياً ومنتبهاً وبهذا المعنى يصغى بهمة عالية ونشاط باحثاً عن الأفكار وتسلسلها ويكتشف من خلالها نوايا المتحدث ومقاصده ويقوده الإصغاء إلى السماع الجيد، إذ لا يمكن السماع دون الإصغاء، فالإصغاء يسبق السماع كما أن النظر يسبق الرؤية، وهنا ربما يواجه المترجم الفوري مشكلة في الإصغاء إذا ما رافق العمل ظروفاً سيئة من الناحية الفنية والميكانيكية وأجهزة الصوت وغيرها.

اما المرحلة الثانية فانها تتمثل بالتحليل إذ ان المترجم الفوري يحاول وبالسرعة التي تفرضها الترجمة الفورية تحليل الخطاب الذي أصغى اليه. ويقوم التحليل على الفهم، إذ لا يمكن أن يحلّل خطاباً دون فهمه وتعرف هذه المرحلة بالفرنسية بـ de-verbalization وهي المرحلة التي تقع بين الإصغاء واستلام الرسالة من اللغة الأصل وترجمتها. ويختلف تحليل الخطاب باختلاف الموضوع الذي يعالجه المؤتمر وطبيعة اللغة المستخدمة ومستواها ونوع الخطاب، فإذا تضمن الخطاب الترحيب والشكر والتقدير سوف يكون التركيز هنا على الشكل، أما إذا كان الخطاب علمياً وفنياً سوف يكون التركيز على المضمون المعلوماتي.

وبعد أن يجتاز المترجم الفوري المرحلتين الأوليتين ينتقل إلى مرحلة الترجمة الفورية وإعادة الصياغة التي تعرف بـ (re-verbalization) فالمترجم الفوري الناجح هو الذي يمتلك القدرة على تقديم تراكيب لغوية صحيحة وسليمة ورصينة، ولا يتأتى ذلك بصورة اعتباطية وإنما يتأتى من تكرار ممارسة الترجمة الفورية وقدرته على إعطاء المستمع لغة سليمة تركيبياً ودلالياً. ونجد هنا أن مهارة المترجم تكمن في قدرته على توزيع طاقاته بين ثلاثة اتجاهات أساسية وهي الإصغاء والتحليل وعمل الذاكرة. وينبغي أن لا يغيب عن مخيلتنا أن هذه العملية كلها تتم بأجزاء الدقيقة إن لم تكن أقل من ذلك، وهنا ينصّب جهد المترجم الفوري على جهد الذاكرة. وكما هو معروف لدى أصحاب الخبرة،فإن الترجمة الفورية تتطلب جهداً فكرياً وعصبياً كبيراً ولابد من ان يكون المترجم في حالة استنفار قصوى ويكون تركيزه محصوراً على الخطاب، مما يتطلب أن

يتمتع المترجم الفوري بقسط من الراحة لكي يستعيد نشاطه دون تعب أو إعياء.

 

صعوبات الترجمة الفورية

تعتبر الترجمة الفورية من المهن الصعبة للغاية، وهذا ما أثبتته دراسة قامت بها منظمة الصحة العالمية، حيث احتلت هذه المهنة المرتبة الثالثة على قائمة أشق المهن في العالم (بعد رواد الفضاء وقادة الطائرات فائقة السرعة). ويرجع ذلك إلى العديد من المشكلات والصعوبات التي يواجهها المترجم الفوري عند أداء عمله. ويأتي في مقدمة هذه الصعوبات أن المترجم الفوري مطالب بأن يترجم وأن يتابع ما يتواتر على مسمعه في الوقت عينه، حيث لا يمكن للخطيب أن يتوقف لانتظار المترجم أو لإمهاله بعض الوقت، وهي المشكلة الرئيسية التي تواجه المترجمين الفوريين على اختلاف لغاتهم. وتزيد هذه المشكلة استعصاءً عندما يسرع المحاضر أو الخطيب في الإلقاء، ولذلك فإن المواءمة بين سرعة الإلقاء وسرعة الترجمة يعد عاملاً أساسياً يراعي التركيز عليه أثناء عملية التدريب على الترجمة الفورية حيث يسعى كل مترجم إلى الزيادة في سرعة الأداء وصولاً إلى معدل 150 كلمة في الدقيقة في معظم الحالات.

 

وهناك صعوبات أخرى تواجه المترجم الفوري، لعل من أهمها في الترجمة من العربية إلى الإنجليزية ما يتمثل في تأخر الصفة على الموصوف، في حين يحدث عكس ذلك في اللغة العربية، وهنا لا يستطيع المترجم الفوري الانتظار حتى يسمع بقية الجملة كلها (الصفة + الموصوف) ثم يبدأ في الترجمة، بل عليه أن يقوم بالترجمة أولا بأول. ومن الصعوبات التي تواجهه أيضا في هذا الصدد، تأخر الفاعل في الجملة الفعلية. فيقال مثلا: لا يلبث أن ينكشف زيفه، في حين أن الجملة الإنجليزية تبدأ بالفاعل ... وهكذا.

 

وهنالك أيضاً صعوبة أخرى يواجهها المترجم الفوري وتتمثل في سرعة كلام المتحدث وتكثيف مادته وعدم وضوح صوته وعدم لفظه للكلمات بصورة واضحة بسبب لثغة في اللسان أو غيرها. في هذه الحالة نجد أن المترجم الفوري يكون في موقف محرج جداً وعليه أن يكون في حالة استنفار قصوى للإصغاء، ولكن على الرغم من بذله كل مساعيه لالتقاط الرسالة الموجهة نجد أن لهذه الصعوبة نتائج سلبية على الترجمة الفورية وأهمها:

1- افتقاد المعلومات: في حالة افتقاد جزء من المعلومات لا يستطيع المترجم الفوري التقاط كل ما يقوله المتحدث والسبب هو عدم وضوح الخطاب وسرعة المتحدث في الكلام.

2- ايصال معلومات منقوصة: في هذه الحالة نجد أنه طالما استلم المترجم الفوري رسالة منقوصة فإنه من الناحيتين المنطقية والعلمية سوف يعكس رسالة منقوصة وهذا بدوره يؤثر سلباً على المترجم الفوري.

3- ضعف الإصغاء : ربما يشكّل التركيز المتزايد في الإصغاء إلى إجهاد كبير للمترجم الفوري لأنه بصدد التقاط الخطاب أولاً ومن ثم فهمه وتحليله وأخيراً نقله بكل أمانة إلى مستمعيه وبشكل كامل، لذلك يؤثر الإصغاء المتزايد وغير المجدي كلياً على عملية الترجمة الفورية.

4- سوء تحليل الخطاب : من الطبيعي أن ما ساء إصغاؤه ساء فهمه وساء تحليله، وعندما يساء التحليل سوف تساء الرسالة كلها وتتضح نتائجها السلبية في عملية الترجمة الفورية برمتها.

التحضير للترجمة الفورية وأهميته

يعد التحضير أمراً لا يمكن الاستغناء عنه في الترجمة الفورية، فمن الصعوبة بمكان أن يُزجّ المترجم الفوري في ترجمة فورية في مؤتمر على أي مستوى كان دون التحضير له. وبغية التوصل إلى تحضير يؤهل المترجم الفوري المشاركة بنجاح في المؤتمر لابد من أن يكون على بينة من الأمور الأساسية الآتية:

1- الوثائق: لابد من أن يحصل المترجم على وثائق المؤتمر المتعلقة بعمله، وعلى اللجنة التحضيرية للمؤتمر والقائمين عليه أن يقوموا بإرسال الوثائق إلى المترجم الفوري ليطّلع عليها ويكون على بينة من نوع الوثائق التي سوف تكون موضوع المؤتمر.

2- جدول أعمال المؤتمر: يجب ان يكون لدى المترجم الفوري جدول أعمال المؤتمر ليطلع على عدد أيام المؤتمر أو عدد ساعاته ، وعدد ساعات العمل،  والجلسات التي ستعقد، وعدد المشاركين في المؤتمر، ليكون مهيئاً للعمل على ضوء كل ذلك.

3- البحوث التي ستقدم في المؤتمر : في حالة ان يكون المؤتمر علمياً أو دورياً، يتعين على المترجم ان يطّلع على جميع البحوث المقدمة إلى المؤتمر ليهيئ نفسه ترجماتياً ويكون مستعداً للترجمة الفورية. أما إذا كان المؤتمر سياسياً فيجب في هذه الحالة ان يطلع المترجم على ما سوف يتم طرحه في المؤتمر تحقيقاً لذات الغرض.

4- المواضيع التي سوف تطرح في المؤتمر: من الضروري ان يطلع المترجم الفوري على المواضيع التي سوف يعالجها المؤتمر، وفي هذه الحالة يكون تحضيره مبرمجاً وفق المواضيع التي سوف تطرح على الطاولة. ولابد أيضاً من التمييز بين الموضوعات حيث أن المؤتمرات تختلف عن بعضها، فهنالك مؤتمرات سياسية وهناك محادثات سياسية وربما محادثات حاسمة ينتج عنها اتخاذ قرارات دولية ذات أهمية خاصة، مما يتطلب تحضيراً مركّزاً من قبل المترجم الفوري.

وسائل تحسين مستوى الترجمة الفورية

1- يراعى أولاً التقيد بالقواعد السابق ذكرها بالنسبة للمترجم الفوري من حيث الإلمام بمادة الموضوع الذي هو بصدده، وعمل الترتيبات اللازمة للتحضير مسبقاً لتلك المادة، والالتزام بالمقومات الأخرى الصوتية والمظهرية وخلافه.

2- يجب أيضاً أن يكون هناك تحديث متواصل للمعاجم المختلفة من أجل مواجهة المتغيرات السريعة في بعض المصطلحات العلمية وبخاصة في مجال الكمبيوتر والهندسة والمجالات التقنية الأخرى لتكون الترجمة مواكبة لتلك المتغيرات أولاً بأول.

3- يراعى أيضاً سن القواعد والتشريعات التي تقضي بتقييد سرعة الحديث من جانب المتكلم أو المحاضر في الحالات التي تستوجب وجود مترجم فوري حتى يتمكن المترجم من أن يؤدي عمله ضمن مساحة كافية من الوقت وأن يحقق بالتالي نجاحاً في هذا المجال، والذي هو أيضاً نجاح للمتكلم ذاته.

4- يفضل أن يكون المترجم الفوري متواجداً بشكل مباشر في ساحة الحديث أو المؤتمر أو المحاضرة وألاَّ يتم عزله في مقصورة خاصة بعيداً عن المتكلم والمستمعين، حيث أن تواجده في الساحة وتواصله مع المستمعين سوف يهيء له فرصة التعبير الحركي الملازم للإلقاء والذي يضفي المزيد من الإيضاح للمادة المنطوقة. هذا فضلاً عن إتاحة الفرصة للمترجم لمتابعة ردود أفعال المتلقي للترجمة من خلال ما يعرف بالـ "eye contact" وهو من المؤشرات الهامة التي يتعرف بها المترجم على مستوى أدائه من خلال إيماءات الاستحسان أو الاستياء أو عدم الفهم أو غير ذلك من التعبيرات التي تظهر على وجوه المستمعين، ومن ثم يستطيع توجيه ذلك الأداء وإجراء ما يلزم للوصول به إلى المستوى الأمثل.

دكتور/ صلاح حامد إسماعيل

مركز دراسات الترجمة بمؤسسة روزيتا

راسلنا